تسجيل الدخول

الرئيسية مقالات ليبيا بين ديسمبر وسبتمبر وفبراير

ليبيا بين ديسمبر وسبتمبر وفبراير

print
email
ليبيا بين ديسمبر وسبتمبر وفبراير

بقلم: إسماعيل القريتلي

كانت السنوات الستة الأخيرة من عمر المملكة الليبية مضطربة ومليئة بالأحداث، ففيها تم تعيين ستة وزراء للحكومة منذ مارس 1963 وحتى أغسطس 1969، وتعدل فيها الدستور في 1963 لإلغاء النظام الاتحادي، وقمعت المظاهرات في يناير 1964، وشاب التزوير عديد الانتخابات، واتسع الفساد الذي تحدث عنه الملك إدريس رحمه الله نفسه في خطاب لليبيين سنة 1961، وانتشر التذمر في صفوف الجيش وبروز أجنحة تتصارع داخله، وتراخي الملك والحكومات المتعاقبة في ضبط تحركات مجموعة عديدة من لضباط في كل مستوياتهم ضد الملك والنظام الملكي.

يضاف إلى ذلك كبر سن الملك ومرضه رحمه الله، وأزمة ولاية العهد رغم وجود الولي، والصراع داخل القصر بين حاشية الملك والمقربين منه، ورغبة الملك المتزايدة في ترك الحكم وكتابته استقالته مرات عديدة، كان آخرها أيام قبل 1 سبتمبر يوم الانقلاب على الملكية، كتبها وقدمها لكبار المسؤولين وهو بمقر علاجه في اليونان.

إقليميا، كانت تعيش المنطقة صراعا بين معسكر القوميين العرب المنقسم بين مصر وسوريا والعراق، وبين المعسكر المحافظ الذي تصطف فيه الدول الملكية، وكان الإعلام المصري الناصري يهاجم الملكيات ويروج أنها تعرقل تحرير فلسطين، ثم جاءت هزيمة 67 لتزيد من الضغوط على النظام الملكي في ليبيا، الذي روجوا عنه أنه لم يدعم المعركة ضد إسرائيل، مستدلين بوجود قواعد أمريكية وبريطانية في ليبيا، وقد خرجت المظاهرات في ليبيا مؤيدة لعبدالناصر منددة بالملك، وحدثت أعمال عنف ضد الأجانب، وضد اليهود الليبيين الذين رحلوا بعد ذلك إلى إيطاليا.

كانت كل تلك الاضطرابات والأحداث الداخلية والإقليمية والدولية تشي بأن التغيير قادم إلى ليبيا وهو أمر صرح به كبار رجال الدولة في الملكي لحد ذهب ببعضهم إلى التأكيد على أن انقلاب سبتمبر لم يكن مفاجئا بل كان معروفا بالأسماء، كما يذكر بن حليم في كتابه ليبيا انبعاث أمة.

هكذا تمكن تنظيم الضباط الوحدويين الأحرار من السيطرة على الدولة، ومن ثم الزج برجالات العهد الملكي في السجن، لتبدأ ليبيا معهم مسيرة استمرت 42 سنة لم تكن فيها الظروف بأفضل من سنوات العهد الملكي الـ 18.

على عكس ما رسخه الملك من روح متسامحة في التعامل مع المختلفين والمعارضين، إلا ما حدث من فض عنيف لمظاهرات يناير 1964 لم يكن الملك صاحب الأمر فيه، فإن القذافي كان يقابل معارضيه بعنف وحزم وصرامة، واستطاع أن يقمع كل معارضيه حتى من شركائه في تنظيم الضباط الوحدويين الأحرار ومجلس قيادة الثورة، ناهيك عن المعارضين من التيارات السياسية والحركة الطلابية التي كانت تعج بها أروقة الجامعات والمدارس الثانوية ومقاهي ونوادي ليبيا.

وفي خطاب زوارة 1973 أي قبل أن يتم القذافي عامه الرابع في الحكم ألغى أسس الدولة؛ مثل تعطيل القانون وتغيير النظم الإدارية للدولة، فضلا عن إعلانه الثورة الثقافية وتأكيده تجريم الحزبية الملغية منذ فبراير 1952، ثم بدأ ملاحقة معارضيه حتى بدأ يعدمهم علنا في 7 أبريل منذ 1976، ثم أصدر الفصل الأول من نظريته السياسية، وفي مارس 1977 أعلن تغيير شكل الدولة من خلال تطبيق نظام المؤتمرات للتشريع واللجان للتنفيذ.

خلال تلك التحولات الداخلية الممهورة بالقوة والعنف والصرامة ضد كل من يخالفها، كان القذافي يعيد تموضوعاته الإقليمية والدولية فمال للمعسكر الاشتراكي، الذي كان يتمظهر في عشرات الحركات السياسية المسلحة ضد أنظمة الحكم في بلادها بتهمة تبعيتها للمعسكر الرأسمالي بما فيه من ظلال تتعلق بحقب الاستعمار في إفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا، كما دعم حركات انفصالية في قلب أوروبا، وسعى جاهدا لضبط حدود ليبيا الأمر الذي انتهى إلى تدخل في تشاد ضد حكومة الأقلية المسيحية لصالح حركات مسلحة مسلمة.

كان المناخ الذي فرضه القذافي في ليبيا دفعه للتحصن في قلب مدينة طرابلس، ما دفعه لإجراء تعديلات ديموغرافية على البنية الاجتماعية للمدينة من خلال إعادة توطين مجموعات قبلية متحالفة معه تنتمي إلى مناطق تقع خارج حدود طرابلس؛ وسط وجنوب وغرب، وطنت في محيطها الجنوبي، وجنوب شرقها، وجنوب غربها، وبنى لتلك التجمعات السكانية الجديدة أحياء سكنية، ومنح الخواص منهم مناطق مهمة داخل طرابلس وفي منطقة طريق المطار، كذلك مكن أولئك القادمين حديثا للمدينة من بيروقراطية النظام الجماهيري التشريعي والتنفيذي والإداري الجديد، وانضموا إلى الجيش الموالي للقذافي، وقبل أن تنتهي السنة العاشرة من حكم القذافي تأسست حركة اللجان الثورية في 1979 لتصبح بمرور الوقت الحزب الوحيد في ليبيا، مع وجود جناح عسكري له وسط سيطرة كاملة على بيروقراطية وتنفيذية وتشريعية الدولة، وعرفت قيادتها العليا باسم مكتب الاتصال.

وما بين انشغال القذافي في توسيع نفوذه خارج حدود ليبيا، واستمرار مواجهة محاولات الانقلاب والتمرد والثورة عليه داخل الحدود، عاش القذافي العقدين (1979 - 1999) التاليين لعقد تأسيس الجماهيرية اضطرابات داخلية عديدة خاصة في شرق وجنوب ليبيا، وكذلك عديد المحاولات الانقلابية، وكانت الفترة من النصف الثاني من ثمانينيات وحتى منتصف تسعينيات القرن المنصرم مفتوحة على مواجهات ومحاولات انقلاب واغتيال بين القذافي ومعارضيه، خاصة في برقة وجنوب شرق طرابلس وفزان، وسط تأزم عميق في العلاقة بين القذافي والغرب بقيادة الولايات المتحدة، وشهدت هذه الحقبة عملية قتل جماعي لأكثر من 1200 معتقل في سجن أبو سليم جلهم من الإسلاميين، وأغلب هؤلاء من برقة.

منذ التحول الدراماتيكي في سياسات القذافي مع مفاوضات رفع الحصار المفروض على ليبيا منذ 1991 وحتى 1999، بدا النظام في مراجعة كل سياساته الخارجية ثم الداخلية، فأصدرت اللجنة الشعبية العامة قرارا يقضي بتسهيل عودة المعارضين من الخارج، وأفرج عن الإخوان المسلمين، ثم بدأت مفاوضات مع قيادات الجماعة الليبية المقاتلة المعتقلة بينها حوارات شرعية بشأن السياسة الشرعية بما في ذلك أحكام الجهاد وكان يقود هذا الحوار الدكتور علي الصلابي الذي استمر مدة لا تقل عن 4 سنوات.

غير أن ما يحدث في برقة، خصوصا في بنغازي كان أمرا آخرا إذ بدأ مكتب الاتصال وأعضاؤه من أصول برقاوية وطرابلسية التنافس مجددا على إعادة تشكيل النسيج الاجتماعي في المدينة على أساس جهوي كما كان يحدث دائمة في التصعيدات منذ إقرار النظام الجماهيري سنة 1977، وكان الدافع الجهوي حاضرا بقوة سواء في التصعيدات أو في إعادة تشكيل نفوذ اللجان الثورية من منطلق جهوي.

في خضم هذا التحولات نشأ تيار إصلاحي داخلي ذو طبيعة فيسفسائية عابر للانتماءات الأيدولوجية، تركزت مطالبه على حلحلة الكبت السياسي في مستوى حرية التعبير وتوفير محاكمات عادلة وعلنية، ثم بظهور سيف الإسلام إلى المشهد رسميا في أغسطس 2006 بإعلانه مشروع ليبيا الغد اتسع نشاط التيار الإصلاحي المحلي، وتحالف مع سيف الإسلام، بل وتولى جانبا من قيادة تيار ليبيا الغد، مع تمحور أجندتهم في توسيع مساحات الحريات العامة، وصولا إلى بدء النقاش بشأن وثيقة دستورية رأس لجنتها الدكتور يوسف صواني، غير أن تلك النقاشات الدستورية ركزت كذلك على توفير حالة دستورية تحفظ للقذافي موقعه الأعلى، ولم تتعمق في نقاش ما أجبر الليبيون على عدم الخوض فيه منذ 1969، أي شكل الدولة وطبيعة نظام الحكم والعلاقة بين الجهويات والقوميات، ومسألة توزيع الموارد.

لم يرض القذاقي وربما بعض رجال خيمته عن مسارات التيار الإصلاحي فأوقف الحوار الدستوري، وأمم مجددا منصات إعلامية لم تكن السلطة القديمة تملكها، ولم ينته عام 2010 حتى توقفت عجلة الإصلاح الخجولة، لتأذن بتحول التفكير لدى عديد الإصلاحيين وغيرهم من المعارضين إلى البحث عن بدائل جديدة لإنجاح التغيير في ليبيا، وكأن كل ذلك تمهيدا لما سيقع لاحقا في فبراير من أحداث.

 

تم قرائتها 124 مرة

استطلاعات الرأي

هل سيساهم التقارب التركي الروسي في حل الأزمة السورية؟
  • نعم
    3
  • لا
    6
  • إلى حد ما
    3
Only logged in users can vote

محتوى

من الموجود الأن؟

لديك 2 زائر و 0 مستخدم الأن