تسجيل الدخول

الرئيسية مقالات الإصلاح التربوي والخوارزميات

الإصلاح التربوي والخوارزميات

print
email
الإصلاح التربوي والخوارزميات

بقلم: د. أحمد الصغير بوعزّي

تغيب في تونس الدراسات العلمية حول تأثير لغة التدريس على استيعاب المفاهيم العلمية والتقنية ونعتقد أن هذا الغياب ناتج عن خوف أصحاب القرار في وزارة التربية من نتائج الدراسة. كما تغيب الدراسات المتعلقة بنتائج التعليم الابتدائي فيما يخص اللغة العربية والقدرة على التعبير بها ، ومعلوم أن التفكير مرتبط باللغة ولا يمكن التفكير خارج اللغة فالذي لم يتعلّم التعبير الجيّد شفويا وكتابة لا يحسن التفكير المنطقي الجيّد.

والصراع محموم اليوم في وزارة التربية بين من يريدون الإبقاء على التمكّن الجيّد للغة الفرنسية كوسيلة لانتقاء الذين سيواصلون دراساتهم في الكليات النبيلة وبين من يريدون استعمال التفكير الجيّد والتمكّن من استيعاب المفاهيم العلمية كوسيلة للانتقاء حتى لا يقع إقصاء أبناء الطبقات الشعبية.

هناك في تونس من يعتبر أن تدريس المواد العلمية في التعليم الثانوي باللغة الفرنسية أجدى من الناحية البيداغوجية ، ولا يهمّه إن كان ذلك ممكنا ، ولم يسأل نفسه هل لدينا في تونس ما يكفي من الأساتذة القادرين على الكلام بالفرنسية مثل الأستاذ الذي ولد وتربّى في فرنسا وهل أن تلامذتنا قادرين على فهم الفرنسية مثل التلميذ الفرنسي. لأنه إذا كان الأستاذ التونسي غير قادر على التعبير بطلاقة باستعمال هذه اللغة الأجنبية ، والتلميذ التونسي غير قادر على فهمها بسهولة ، فلا يمكن منطقيا أن يؤدي ذلك إلى استيعاب المفاهيم العلمية والتقنية بصورة ناجعة. 

اليوم نجد أن أساتذة العلوم والتقنيات والاقتصاد في التعليم الثانوي – وحتى في التعليم العالي – يدرّسون رسميا بالفرنسية وفعليا بالعربية الدارجة التونسية ، ولا يستعملون عند إعطاء الدروس إلا المفردات التقنية الفرنسية أي لغة الفرانكو اراب ، وعندما يستعملون الفرنسية يخطئون في النطق والرسم والنحو إلى درجة جعلت التلاميذ الذين يجيدون الفرنسية يتندّرون بأخطاء أساتذتهم. وجعلت الطلبة الأفارقة جنوب الصحراء الدارسين في تونس يشتكون لكون مدرّسيهم التونسيين يُدخلون تعابير وأدوات ربط عربية في خطابهم لا يفهمها الطلبة القادمين من بلدان لغتها الرسمية هي الفرنسية. 
ومعلوم أن اللغة السليمة ضرورية لتقديم البراهين الرياضية وللتعبير عن الأفكار بطريقة منطقية ، ونتيجة فرض الوزارة للّغة الفرنسية في تدريس العلوم فإن أغلب الطلبة والتلاميذ عند سماعهم أساتذتهم يستعملون لغة هجينة ، يقلّدونهم فيصبح تعبيرهم فقيرا لا يمكن ان يعبّر إلاّ على الأفكار البسيطة والبدائية، ويصبحون غير قادرين على التعبير عن أفكارهم وأحاسيسهم بصورة دقيقة بأي لغة وغير قادرين على المطالعة ، ويفتقدون التعبير المنطقي ولا يقدرون على تكوين جُمل مفيدة بأي لغة كانت ، فما بالك على التعبير بجمل جميلة.
إن الّلغة العربية هي أساس ثقافتنا الوطنية وهي التي تعرّف بهويتنا العربية الإسلامية ، وهي التي تربط بيننا وبين بقيّة العرب ، وهي اللّغة الوحيدة التي يعرفها مائة بالمائة من التونسيين. وتعليم الشباب بلغته أسهل بكثير من تعليمه بلغة أجنبية لأن المفردات العلمية والتقنية الفرنسية لا ترمز لمفاهيم في الثقافة العامة للتلميذ. 
واستعمال الفرنسية في المجالات التكنولوجية يعني أن الاستعمار إن خرج من التراب فقد بقي في الرؤوس. ولا بد لنا من الاستقلال الثقافي. كل الدول التي خرجت من التخلّف وأصبحت متقدّمة تكنولوجيا ، استعملت لغتها الوطنية للتدريس (اليابان انطلاقا من سنة 1869 ، كوريا التي استقلت من اليابان سنة 1945 وبدأت ثورتها التكنولوجية في أواخر الستينات) وتركيا وإيران والصين وهذه الأخيرة لغتها مثل اللغة الكورية واليابانية لا تشتمل على حروف ، وإنما على رموز للكلمات ، ورغم ذلك ، فكل هذه الدول تدرّس العلوم والرياضيات والطبّ بلغاتها الأمّ دون إشكال. وتساهم مع بقية العالم في التطوّر التكنولوجي ، وتسيطر على صنف من التكنولوجيا على الأقل.
ولا ننسى أن من بين مزايا اللغة الموحّدة لكلّ مراحل التعليم تسهيل نجاح أبناء الطبقات الشعبية لأن الانقطاع عن الدراسة يقع أساسا في السنة الأولى من التعليم الثانوي عندما تتحوّل لغة تدريس العلوم من العربية إلى الفرنسية. ثمّ أنّ اللغة الموحّدة تخلق تواصلا سلسا في المؤسّسات الاقتصادية بين المهندس والتقني والعامل البسيط. وتنتج عن ذلك دقّة في المفردات عند التواصل وبالتالي عند الإنجاز ، وينتج كذلك إدماج للتكنولوجيا في الثقافة الوطنية بواسطة التبسيط العلمي الذي يصبح ممكنا وتنتشر المعرفة بين كل أفراد الشعب ولا تبقى حكرا على الناطقين بالفرنسية.
إن السيطرة على التكنولوجيا لا يمكن أن تحصل طالما لم يقع استيعابها من قِبل المجتمع ، وطالما بقيت القطيعة الحالية موجودةً بين الإطار والعامل. ولا يمكن تخطّي هذه الصعوبات إلا باستعمال اللغة الوطنية في الدراسة وفي المحيط.
إن الدفاع عن تعريب لغة التدريس يهدف إلى إدماج التكنولوجيا في ثقافتنا بصورة ناجعة وإلى تسهيل استيعاب النشء للعلوم وخاصة أبناء الطبقات الشعبية ، ويجب ألاّ يُفهم على أنّه معاداة للغة الفرنسية أو التقليل من أهميتها كوسيط للتفتح على الأدب الفرنكفوني الرائع ، فهو موقف براغماتي وتقني محض خال من الإيديولوجية. والتعريب لا يعني عدم التشجيع على تعلّم اللغات الأجنبية وترجمة ما هو راق من المعرفة الى اللغة الوطنية.
هناك من يقول أنه يجب تدريس الرياضيات بالفرنسية لأن العربية غير قادرة على التعبير وليس لنا كتب مترجمة إلى العربية. ومع الأسف هو يجهل أن الرياضيات في التعليم الثانوي وحتى في المرحلة الأولى من التعليم العالي ليست علما جديدا يتجدّد كل يوم مثل الإعلامية أو طب الاختصاص أو تكنولوجيا الدارات المندمجة. نحن ندرّس في الثانوي أشياء اخترعت في القرن التاسع والقرن الحادي عشر والقرن التاسع عشر. مثل تقنية حل المعادلة من الدرجة الثانية واستخراج المجهول فيها التي يدْرسها الشباب في التعليم الثانوي. ويطالب الذين يدافعون عن الفرنسية أن ندرّسها باللغة الأجنبية. 
لقد ضبط محمد ابن موسى الخوارزمي في بداية القرن التاسع تمشّيا منطقيا لحلها بالنسبة للجذور الموجبة في كتابه "الجبر والمقابلة" وسمّى الأوروبيون هذا التمشّي "خوارزمية" وسمّوا العلم المتعلق به "الجبر". ويمكن أن نقول نفس الشيء عن علم البصريات الذي اخترعه الحسن ابن الهيثم وكتبه في "كتاب المناظر" باللغة العربية.
هل يريد من يدافع عن الفرنسية كلغة تدريس المواد العلمية أن يكتب الخوارزمي خوارزمياته الستة باللغة الفرنسية لأن العربية غير معبّرة عن الرياضيات. كيف يمكن له ذلك واللغة الفرنسية لم تكن موجودة أصلا. وهل يريد أن ندرّس الخوارزميات لأبنائنا الناطقين بالعربية مترجمة من العربية للفرنسية بينما الذي اخترعها كتبها باللغة العربية واخترع لها مفرداتها التقنية بالعربية. إن نظرية تدريس المواد العلمية بالفرنسية تقطع التلميذ عن ماضيه النيّر التنويري وتعقّده وتُرسّخ له في دماغه أن العلوم والتكنولوجيا لا يمكن أن تكون إلا نتيجة تفكير علماء فرنسيين ، وأن التونسي لا يمكن أن يكون إلا مستهلكا ، وأن الخوارزمي وابن الهيثم والكاشي والقلصادي لم يوجدوا وإن وُجدوا فما اخترعوه لا يصلح ولو كان صالحا لدرسناه ونسبناه لهم. والحقيقة أننا ندرّسه حاليا باللغة الفرنسية ولكننا لا ننسبه لهم لأننا استوردنا تعلّمات المواد العلمية من فرنسا.
 

 

تم قرائتها 215 مرة

استطلاعات الرأي

هل سيساهم التقارب التركي الروسي في حل الأزمة السورية؟
  • نعم
    3
  • لا
    6
  • إلى حد ما
    3
Only logged in users can vote

محتوى

من الموجود الأن؟

لديك 14 زائر و 0 مستخدم الأن