تسجيل الدخول

الرئيسية مقالات القومية العربية، بين أزمة الأخلاق ولعنة السياسة، أو حينما يستحيل التوافق المغشوش

القومية العربية، بين أزمة الأخلاق ولعنة السياسة، أو حينما يستحيل التوافق المغشوش

print
email
القومية العربية، بين أزمة الأخلاق ولعنة السياسة، أو حينما يستحيل التوافق المغشوش

بقلم: د. محمد التومي

إنّ ثورات الربيع العربي إنما حدثت للردّ على الاستبداد والضعة التي وسَمَتْ العرب في ظل حكم مافيوزي مقيت مغلّف بغلاف الإيديلوجيا السوداء التي تقصي الفاعلين السياسيين. وكانت القومية العربية في صدارة الحكم الإقصائي للإسلاميين واعتبارهم زائدة دودية لا يصحّ جسم الدولة حتى تتخلص منه، والحقيقة إنه لم تقم نهضة اقتصادية أو صناعية في أية دولة عربية حكمها طواغيت الفكر القومي، وقد بلغت الأمية في ظل حكمهم المستطيل نسبة غير مسبوقة في التاريخ العربي كما لم تقم نهضة علمية بل أصبحت جماع هذه الدول العربية في آخر الركب. وسبقتها دول كانت تشبهها في السمت الاجتماعي والاقتصادي مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغفورا بل ماليزيا وتركيا...الخ. ولعل الاختلاف الوحيد أنهم لم يصابوا بمثل ما أصيب به العالم العربي من سياسة متحجرة تمتنع عن الخوض في المحرمات التي سيّجتها بها الدول الاستعمارية وجعلتها شرط بقائها في سدة الحكم

وكان من الممكن أن يكون الفكر القومي العربي محل إدانة ومراجعة من قبل القيادات الفكرية والسياسية في تونس الثورة، لأن هذا الفكر الذي قاد المرحلة السابقة منذ سقوط الخلافة إلى قيام إسرائيل ومنه إلى سقوط مقدرات هذه الشعوب وانتقالها إلى بنوك سويسرا وبلاد المالديف...

وبما أن هذه المراجعة لم تحدث، وهو جانب من جوانب الخطأ والقصور، فإنه بات لزاما على مثقفي الثورة محاصرة هذا الفكر القمعي والتذكير بحقيقة مركزية مفادها أن الثورات العربية إنما قامت على طرده من مفاصل الدولة ومن تقمّص دور الضحية والبروز بمظهر الذئب المتخفي في ثياب النعجة، وتاريخ دولة النعجة(الأسد) شاهد على ذلك، ولكنه لا يستحي من الوقوف ثائرا مع الثوار وهو الآكل من موائد اللئام يطمئنهم ويرسم في الأفق آمالهم ويتوعّد.

إن حركة الشعب القومية هي الوريث الواقعي لهذا الفكر المأزوم الذي تمعّش من دماء الثائرين ليقف في صف جلاد الأمس مكشوفا الوجه دون حياء، والحقيقة إن الجنرال الهارب بجلده أوعز إلى أجهزته الأمنية لما قرر الزجّ بأتباع حركة النهضة في السجون بأن يوضع على رأس السجون مديرا من ذوي التوجه القومي لفرط حساسيتهم تجاه الإسلاميين ومعرفة مخابراته بمدى العداء المستكين في نفوسهم تجاه الإسلام السياسي عموما. فكانوا له معولا شديدا وحرسا على حدود الدولة العلمانية وشهبا للمعارضين يستقوُون بالبوليس والقوادة ولجان الأحياء، ويزجون بأتباعهم في مفاصل الدولة، ويستثنون كل ذي نفس إسلاميّ.

إن حركة الشعب كانت ولا زالت من سدنة الاستبداد وخدام العسكر ، وهي مصنع للطواغيت تأبى المراجعة وقد أصابتها العزة بالإثم، نذرت تاريخها السياسي بذات الوسيلة الهجينة التي تشتغل بها في راهن مأزوم يسير صنّاعه على الأشواك من أجل تخليص الدولة من العوالق من الفسدة ومصاصي الدماء المتكاثرين على أعتابها. ولكن حركة الشعب تتعامل مع هذا الراهن السياسي تعامل المراهقين من الغوغاء ويصرّ أشياعها المتقمّصين لدور التقية على الرفض تماما كما كان يفعل "حمة رئيس" من قبل أت يهوي إلى هوّة عميقة بلا قرار .

والواضح أن التغيرات الحاصلة في تونس على صُعد متباينة منها السياسي ومنها الاجتماعي أنتجت واقعا مأزوما رغم بوادر الأمل والحلول الممكنة، لكن حسابات المصلحة والربح كانت الفيصل في اتخاذ قرارات حاسمة في وقت حساس للغاية ونخصّ حركة الشعب ذات الطرح القومي الذي يغذي أطروحاته السياسية من موائد فكرية متباينة لا تجتمع إلا في سياقات الفكر القومي الذي وجد عنتا في صياغة منظومة تسوّق لهذا التمشي الأعرج في متاهات الإيديولوجيا أو اليوتيوبيا. ولإخفاء هذا القصور كانت إستراتيجية المناورة والهجوم على فصيل سياسي بعينه ونعني هنا الإخوان المسلمين في مصر خاصة هي الطريقة المثلى للبروز والانتشار في عهد زعيمهم المفدى عبد الناصر ، وقد دعا ساطع الحصري وهو أحد أركانهم القصية، إلى أخذ المثل من القومية الأوروبية التي سادت في أرجاء متفرقة من القارة إبان القرن التاسع عشر، لتحقيق النهضة المزعومة، ولعلّه حاول تحقيق أحلامه لما وصل الملك فيصل الأول إلى حكم العراق فأقام دولة قومية، واتخذ من الحصري مستشارا في المسائل السياسية والثقافية والتربوية وغيرها، ولكنه لم ينتج غير الاستبداد، وفي نفس الظروف أقام سعد زغلول دولة قومية في مصر ذات توجه فرعوني يقفز على التاريخ الإسلامي، وهو ما حاول جمال عبد الناصر استلهامه والبناء عليه لتأسيس الدولة القومية القوية ذات السّمت التوسعي بتعلّة الوحدة العربية فاحتل سوريا وكان مساعدا لنظام الأسد على التمكين ومدّ جذوره بغطاء البعث العربي. واجتاح السودان وأنتج نظام النميري، وفي اليمن كان علي عبد الله صالح نتاج هذا التزاوج الغريب على اليمن السعيد، الذي سينتهي به إلى الشقاء المستطير،ولم يستطع أن يمكث في دولة واحدة نتيجة رفض هذا التوجه الاستعلائي الذي يحتقر الشعوب ويقيم أطروحته على تمجيد العسكر بل إنه لا يرى غضاضة في الانقلابات العسكرية ما دامت تؤدي إلى التمكين السياسوي القومي وحفتر المهزوم، ولذلك كان انقلاب العقيد القذافي المتباهي بالقومية على الطريقة الناصرية، بل وامتدت يده إلى تونس فآوى بورقيبة وحاول عقد شراكة سياسية مع العسكري الحالم معمر القذافي، ولما رفض عوقب بالجرف القاري وبأحداث قفصة التي سالت فيها دماء التونسيين ، وفي الجزائر لم يستطع أن يخرج هواري بومدين عن هذه الجوقة المتكالبة على الشعوب العربية الخارجة لتوّها من أتون استعمار غاشم أودى بطاقاتها وصحّر فكرها ومقدراتها وباتت في العراء تحاول تجميع الشتات ولكن الضباع كانت في المنعطف ترسم الخطط وترمي بالشباك.

لقد كان أول امتحان للقومية الناصرية وهي التي كانت في مستنقع حروب خاسرة ولكنها في الداخل تعاني من انشقاق مجتمعي كاد أن يودي بالمجتمع المصري في بداية الستينات نتيجة اعتقال منتسبي تنظيم الإخوان المسلمين والتشدد في النيل من قاداتهم حتى وصل العنت ب"الزعيم المفدّى" عبد الناصر أن أمر بقتل مفكر بحجم سيد قطب، والزج بآلاف الأتباع في السجون التي أعدّها للغرض، ويذهب المؤرخون إلى أن عبد الناصر لم يواته الفلاح إلا في بناء السجون وتقوية العسكر وتغيير عقيدته القتالية المتجهة نحو إسرائيل لتكون البوصلة بعدها متجهة إلى الداخل معتبرة أن فصيل الإخوان هو العدو الأكبر قبل إسرائيل، هذا التراث الإيديولوجي الهجين الذي يجمع شتات أفكاره من منظومات أثبتت فشلها في المجتمع الغربي الذي نشأت فيه، وقد استفاد منه الباكباشي عبد الفتاح السيسي الذي استطاعت أجهزة الاستخبارات الصهيونية زرعه في الجيش المصري وأن ترعاه إلى أن يصل إلى ما وصل إليه من تدمير لمقدرات مصر العسكرية والمجتمعية، ومازلنا نرى النواعق من القومجيين يهللون لهذا الطاغية ويعتبرونه زعيما قوميا يكمل نهج جمال عبد الناصر ويقضي على الإخوان، عدوّهم اللدود،قبل إسرائيل المتربصة على الأبواب تحصي عليهم أنفاسهم المتهالكة.

لقد كان القرن العشرين بالفعل قرن القومية العربية، فقد حكمت أيديولوجيا القومية العربية معظم دول العالم العربي لكن لم تقم نهضة، بل إنها أقامت على العكس من ذلك تماما نظم استبدادية روّعت الشعوب بأجهزتها الاستخباراتية والبوليسية والعسكرية...الخ وقد استأثرت هذه الأنظمة بالسلطة، وقمعت حرية الرأي، ومنعت الشعب من المشاركة في القرار السياسي، كما حصل في مصر وسوريا والعراق وتونس والجزائر والسودان واليمن وليبيا. واستمرّ هذا الكابوس إلى حين نضجت شروط الثورة لتعصف بهذه الأنظمة القومية المتهالكة.

إن كل هذا التاريخ الأسود للقومجية العربية يعطي الدليل على استحالة التوافق السياسي في ظل حكومة عرجاء تشدّها إلى الوراء أيادي خبيثة انكشفت في أول اختبار أخلاقي .

المصدر: جريدة "الرأي العام" التونسية

تم قرائتها 135 مرة

استطلاعات الرأي

هل سيساهم التقارب التركي الروسي في حل الأزمة السورية؟
  • نعم
    3
  • لا
    6
  • إلى حد ما
    3
Only logged in users can vote

محتوى

من الموجود الأن؟

لديك 3 زائر و 0 مستخدم الأن