تسجيل الدخول

الرئيسية مقالات اللغة قناة تواصل وليست ورقة ضغط واحتقار

اللغة قناة تواصل وليست ورقة ضغط واحتقار

print
email
اللغة قناة تواصل وليست ورقة ضغط واحتقار

بقلم: د. إبراهيم بوعزّي

أجمع جل علماء اللغة واللسانيات والأنثروبولوجيا على أن اللغة نتاج للثقافة البشرية تهدف إلى تحقيق التواصل والتفاهم وتبادل الأفكار والآراء والمواقف بين مستخدمي اللغة الواحدة. كي تتحقق عملية التواصل تلك من الضروري توفر عناصر أساسية أبرزها العناصر التالية:

-1- الطرفان:
هما المتحدثان أي المتكلم والمستمع مع تبادل هذين الدورين في حال كان التواصل تشاركيا، لكن يمكن أن يكون ذا اتجاه واحد وبذلك يكون تلقينيا كما هو الحال في المحاضرات والخطب الدينية والسياسية والأعمال الأدبية والفنيبة مثلا. فطرفا الحديث إما أن يتبادلا دوري المتكلم والمستمع أو أن يلتزم أحدهما بالاستماع طوعاً أو كرهاً أو ضرورةً. ومن الضرورات التي تجعل المستمع لا يستطيع المشاركة في الكلام، الاستماع إلى تلاوة نص ديني وعمل أدبي أو فني مسجل، أو مباشر في جو تستحيل أو تصعب فيه المقاطعة والمشاركة.
-2- القناة:
قناة التواصل اللغوي منظومة لغوية متناسقة مضبوطة بقواعد متفق عليها بين الطرفين. وتتألف المنظومة اللغوية من منظومة صوتية وبنًى صرفية اشتقاقية وتراكيب نحوية وصور بلاغية وحقول دلالية تحيط بكل مفردة أو تركيب، إضافة إلى شروط أخرى قد فصّل فيها القول الكثير من علماء اللغة القدامى والمحدثين في مختلف لغات العالم.
ويشترط في القناة اللغوية أن تكون مفتوحة من الجانبين. فإن كان المستمع لا يعرف لغة المتحدث فإن القناة مسدودة من جهة المتلقي. ولذلك فلن تتم عملية التفاهم. وفي هذا الإطار يتنزل المثل العربي القائل: "خاطب القوم بما يفقهون.
القناة اللغوية تختلف من شعب إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى ومن منطقة جغرافية إلى أخرى، وعادة ما تتغير وتتطور عبر الزمن. وهي منطوقة في الأساس، أما الكتابة فهي طارئة على اللغة، إذ أن البشرية استخدمت لغات عديدة منذ آلاف السنين ولم تكتبها. والكتابة التي ظهرت في شكل رسوم صورية (الهيروغليفية 3000 ق.م) ثم صوتية (الفينيقية 1000 ق.م) ليست هي اللغة بحد ذاتها إنما هي طريقة بسيطة لتسجيل المعاني على سطح جامد (أحجار، ألواح، أوراق...) للمحافظة عليها من التلاشي بعد النطق في شكل أصوات.
وفي العصر الحديث ظهرت أشكال لتسجيل المعاني بالصوت الطبيعي عن طريق الأقراص (الفونوغراف) والأشرطة ووحدات التخزين الإلكترونية. وتم كذلك تطوير أجهزة الكاميرا لتسجيل الصورة التي تحمل أبعاداً أخر من اللغة مثل لغة الإشارة ولغة الجسد. وفي مطلع القرن الـ19 طور الموسيقي الفرنسي لويس بريل طريقة لتسجيل اللغة عبر الكتابة بالنقاط الناتئة التي تمكّن المكفوفين من القراءة.
كل تلك الطرق للكتابة هي مجرد تقييد زمني للكلام. أما اللغة فهي ظاهرة بشرية قديمة قدم البشر على سطح هذا الكوكب. وقد تواضعت كل مجموعة بشرية على لغة معينة تتكلم بها. فالعربية والصينية والسنسكريتية والفارسية والتركية واليابانية والكورية من أهم اللغات المنتشرة بين شعوب القارة الآسيوية. والعربية والحبشية والأمازيغية والهاوسا والوولوف والبمبرة من اللغات المنتشرة بين شعوب القارة الآسيوية. أما أروروبا فتنتشرها فيها عدة لغات يمكن تصنيفها في مجموعات حسب المناطق. فاللغات اللاتينية في جنوب القارة والأنجلوسكسونية في شمالها والسلافية في شرقها. ومن آوروبا انتقلت اللغة الإسبانية والبرتغالية والإنجليزية إلى القارة الأمريكية التي كانت شعوبها الأصلية تتكلم لغات عديد اللغات التي انقرض أكثرها بسبب استيطان الأوروبيين هناك وفرض لغاتهم. ومن أهم اللغات الأمريكية الأصلية التي مازالت مستخدمة في القارتية والشمالية والجنوبية نجد لغة الكويشوا ولغة الأيمارا ولغة غواراني ولغة ناهواتل. أما جزر المحيط الهندي فأكثر اللغات انتشارا فيها مالايو وتاغالوغ.
بعد الاكتشافات الكبرى وحملة الاحتلال الأوروبي للعالم، انتشر عدد من اللغات الأوروبية في كل من أمريكا وإفريقيا وآسيا والمحيط الهندي. واستطاعت بعض اللغات المحلية الصمود أمام اللغات الأوروبية، لكن الكثير منها قد اندثر أو اختلط بلغات المستعمر أو تقلص استخدامها على المستوى الشعبي غير الرسمي.
واحتلت الإنكليزية والإسبانية مساحات شاسعة في القارتين الأمريكيتين مع أوستراليا حتى تحولت إلى لغة رسمية هناك، في حين بقي مجال انتشار اللغة الفرنسية محدوداً في عدد من المستعمرات بإفريقيا كلغة ثانية.
نظراً للقوة الحضارية التي تتمتع بها اللغة العربية لم تندثر على حساب لغات المستعمر الفرنسي والإنكليزي والإيطالي. ورغم الانقسام السياسي للشعب العربي والخلافات القائمة بين أنظمته، إلا أن الجانب اللغوي لم يتأثر بذلك الخلاف، بل بالعكس شكل عامل إثراء ثقافي ومعرفي إذ تحولت اللغة العربية إلى قناة متعددة المصادر. فيمكن لم يتقن العربية استقاء المعلومة من مصادر مختلفة من دول متخالفة. وقد ساهم الانقسام السياسي بين العرب إلى دول أو دويلات في الوقوف في وجه أي محاولة لإحداث تغيير أو تشويه على مستوى اللغة، لأنه إن صدر قرار في هذا الشأن من دولة ما فإن باقي الدول العربية غير ملزمة بتطبيقه.
لكن المشكلة التي ظهرت في العصر الحديث هي محاولات بعض الجهات الرسمية وغير الرسمية تغيير اللغة العربية، مثل اعتماد اللهجات المحلية لغة رسمية وذلك من أجل صناعة هوية جديدة لسكان بلد ما. وقد حاولت بعض الأنظمة الحاكمة في مصر ولبنان وتونس والمغرب مثلاً فرض ذلك لكن الأمر لم يتيسر في حينها، فعمد الكثير من أجهزة للإعلام إلى اعتماد العامية في مختلف البرامج والنشرات الإخبارية. كما سمحت السلطات في بعض الدول العربي للمدرسين بشرح المواد المدرسية بالعامية بدعوى تسهيل الفهم على الطالب. لكن الأمر قد أثر سلباً في المستوى الفكري للطالب على مستوى الاستيعاب والتحليل ثم الإنتاج. خصوصاً مع عدم وجود مصادر للعلوم مكتوبة باللهجات المحلية.
والأغرب من ذلك تعمّد العوامّ الزج بكلمات إنكليزية وفرنسية داخل الجملة العربية، بطريقة لا يفهمها العربي ولا الفرنسي ولا البريطاني. وبهذا الشكل ظهرت في مواقع التواصل الاجتماعي لغة هجينة شبيهة من حيث بنيتها النحوية بالعربية ولكنها مكتوبة بحروف لاتينية، أشبه ما تكون باللغة المالطية التي هي مزيج بين العربية والإيطالية. فبعد سقوط إمارة صقلية في يد النورمان في عام 1091م لم يجبر روجار الأول السكان العرب هناك على اعتناق المسيحية، وتواصل استخدام اللغة العربية ولكن الكتابة تحولت عبر الزمن إلى الحروف اللاتينية مع إضافة عبارات من لغات أوروبية مختلفة إلى تلك اللغة التي مازالت تعد إلى اليوم من اللهجات العربية، إلى أن تركت العربية الفصحى بشكل تام في الجزر المالطية. وبفعل التغييرات التي حصلت على المستوى اللغوي لسكان مالطا حصل تغيير طبيعي على المستوى الثقافي والديني، وترك الناس هناك الإسلام واعتنقوا المسيحية على المذهب الكاثوليكي.
من خلال استعراض المشهد المالطي يجب التحذير من خطورة محاولات التغيير اللغوي الجاري حاليا في الكثير من البلدان العربية. فبتغيير اللغة ستتحول العربية الفصحى إلى لغة ميتة لا يستخدمها إلا طبقة معينة من رجال الأدب والتاريخ والدين. وحينها يمكن لأي نظام حاكم أن يسيطر على تلك الطبقة كي يتم تغيير النصوص الدينية من قرآن وحديث وقفه وعقيدة وأدبيات دينية، عند ترجمتها إلى اللغات الجديدة التي ستعوض العربية الفصحى في ذلك الوقت. وحينها ستتمكن الدولة أو أي طرف يسيطر على الدولة من التلاعب بدين العامة وعقيدتهم. وهذا ما حدث في تاريخ الديانة المسيحية. فالإنجيل نزل على النبي عيسى بن مريم باللغة الآرامية. ولكن المسيحيين اليوم لا يستطيعون قراءة النص الأصلي من الإنجيل. بل إن ذلك النص مفقود منذ قرون طويلة. ويتعبّد المسيحيون حالياً بنصوص مترجمة بها من الاختلافات والأخطاء في الترجمة ما لا يحصى ولا يعد. فهل أنتم مستعدون للتفريط في لغة كتبت بها نصوص أدبية ودينية قبل 15 قرناً ومازال طالب المدرسة المتوسطة يفهمها إلى اليوم؟ وهل أنتم مستعدون إخراج الأجيال القادمة من الإسلام بالمساهمة في تغيير لغة القرآن وتحريفها والتخلي عنها وتعويضها بلغات أجنبية أو لهجات عامية قابلة للتغير السريع لتكرس الانقسام؟ وهل أنتم مستعدون لإلقاء ملايين بل مليارات الكتب العربية في البحر من أجل التفاخر أمام الأصحاب بأنكم تتكلمون بلغة من احتل بلادهم ونهب خيراتها وقتل أجدادكم؟
إذن فلنحافظ على لغة القرآن حفاظاً على القرآن. ولكن نتبوّأ موقعاً في عملية حفظ القرآن من النسيان. فقد قال الله تعالى: "إنّا نحن نزّلنا الذكر، وإنّا له لحافظون". إذن فليكن كل واحد منا مسماراً أو عجلة في الآلة الإلهية لحفظ القرآن....

 

تم قرائتها 157 مرة

استطلاعات الرأي

هل سيساهم التقارب التركي الروسي في حل الأزمة السورية؟
  • نعم
    3
  • لا
    6
  • إلى حد ما
    3
Only logged in users can vote

محتوى

من الموجود الأن؟

لديك 6 زائر و 0 مستخدم الأن