تسجيل الدخول

الرئيسية مقالات الغنوشي لن يرفع الراية البيضاء والثورة المضادة تعرّي حلفاءها الجدد

الغنوشي لن يرفع الراية البيضاء والثورة المضادة تعرّي حلفاءها الجدد

print
email
الغنوشي لن يرفع الراية البيضاء والثورة المضادة تعرّي حلفاءها الجدد

بقلم: فائزة ناصر

"مادام في الباخرة التي تبحر بالوطن من يريد أن يلقي بجزء منها في الماء للتخلّص منه فلن تكون هناك ديمقراطية، ولن ينجح مسار ديمقراطي في المضي في طريقه".. كلمة اختزل بها راشد الغنوشي المشهد السياسي كما يريد له بعض العابثين بمصير وطن أن يكون.

في الحقيقة، هكذا فعلا يبدو المشهد السياسي بعد الانتخابات اليوم، أطراف تتحالف من أجل استبعاد غريم وأطراف تتصارع من أجل استبعاد خصم.. وجميعهم يجمعهم هوس الرغبة في الاستئثار بسطح السفينة والتخلّص من الخصم اللدود بأي ثمن كان حتى لو كانت الضريبة غرق السفينة بمن عليها..

تقارب أو ربما بمعنى أدق تحالفات موضوعية وتكتيكية نلاحظها هذه الأيام بين أضداد، تحالفات تبدو مشوهة وهجينة حتى ما عدنا نميز هوية هذه الأطراف ولا نفقه لخطاباتهم دلالة، فأصبحنا نشاهد الناطق باسم الثورة وأهدافها يتحول فجأة إلى حليف استراتيجي للناطقين الرسميين باسم الثورة المضادة، وأقيمت علاقات القربى والمصاهرة بين فوضويّين عبثيين وبين ثورجيّين فوق العادة، وأغلق باب الثأر بين الناطقين الرسميين باسم الثورة وبين الحرس القديم في أبشع صوره، بل ووجدنا أنفسنا شهود عيان على رافعي شعار الطهورية والحرب على الفساد في شراكة حقيقية مع من تعلقت بهم شبهات فساد ترتقي إلى جريمة في حق الوطن..

ويبقى الوجع وموطأ الجرح هو تونس وانتظارات شعبها، التي هي في انفصام تاما مع ما تقوم به النخبة السياسية.. تونس التي تظل تنزف بسبب عبث وتنطع العابثين والفوضويين والعدميين والمزايدين بكل قيمة..

قال النائب عن حزب التيار الديمقراطي نبيل الحاجي في تصريح إعلامي ردّا على ما قامت به رئيس كتلة الحزب الدستوري الحرّ عبير موسي من بلطجة وعربدة وفوضى وتعطيل لأشغال المؤسسة التشريعية، قال إنّ أكبر هدية لعبير موسي هي وجود راشد الغنوشي على رأس مجلس النواب.. وهو ترجمة وتبسيط لما جاء في بيان حزبهم الصادم للرأي العام والذي برّروا فيه طلبهم سحب الثقة من رئيس مجلس النواب ووضع النهضة والدستوري الحرّ في نفس الخندق بل أكثر من ذلك تجنبوا فيه تماما أن يتعرضوا ولو بكلمة مباشرة لعبير وما أتته كتلتها داخل المجلس من عربدة وبلطجة واعتداء على مؤسسة شرعية..

المهم أنّ التيار يرى أنّ الحل الوحيد لوضع حد لحالة التوتر في المجلس ولإرضاء عبير موسي ومن يقف وراءها، هو تنحّي راشد الغنوشي عن رئاسة المجلس النيابي؟ يلتقي معهم النائب عن حركة الشعب هيكل المكي الذي طلب صراحة وبكل ثقة بالنفس من حركة النهضة البقاء في المعارضة، مكانها الطبيعي كما قال..

منطق سحب الذرائع، منطق غريب ومشوه ويخفي وراءه تحالف موضوعي واستراتيجي مع من كانوا بالنسبة إليهم ألد أعداء الأمس أو هكذا اعتقدنا.. تحالف والتقاء حول الهدف ذاته وهو استبعاد راشد الغنوشي من منصب رئاسة مجلس النواب بأي ثمن وبأي ذريعة..

موقف يذكرنا بحركة فتح من حركة المقاومة الإسلامية حماس، لما قالت لهم على حماس أن تتوقف عن تصنيع الصواريخ واستفزاز إسرائيل، فالحل بالنسبة إليهم ليس مقاومة العدوان الإسرائيلي ووضع حد لانتهاكاته، بل الحلّ في أن تتوقف حماس عن صنع الصواريخ وتهديد أمن إسرائيل بها لنأمن غضبها..

كذا الشأن في هذه الحالة، فبمنطق التيّار وجماعته لا بدّ أن نبعد رئيس برلمان تقلد منصبه بشكل ديمقراطي ودستوري إثر عمليّة انتخاب ديمقراطية، ونلغي نتائج هذه الانتخابات، فقط حتى نرضي زعيمة الثورة المضادة الخارجة عن القانون ضاربة بكل الأعراف والقوانين عرض الحائط، مبشرة بمشروع فاشي لا مكان فيه للاختلاف ولا للتعايش المشترك بين أطياف سياسية وفكرية مختلفة وما حاجتنا لديمقراطية تنصب علينا من لن نقبل به بيننا، وسننقلب عليها حتى لو كان ذلك على حساب الثورة والتجربة الديمقراطية والمسار بأكمله..

المطلوب إذا حسب الحلفاء الجدد للحرس القديم في أبشع تجلياته، مناضلي الأمس طهوريي اليوم، أن يرفع الغنوشي الراية البيضاء ويعلن صراحة استسلامه للثورة المضادة ولقوى الثورة المضادة الإقليمية..

ولكنهم يجهلون أن الغنوشي الذي ناضل الاستبداد لعقود من الزمن ولم يكلّ ولم يسقط، الغنوشي بتاريخه وثقله الدولي والإقليمي، لا يستسلم إلى ابتزاز الثّورة المضادّة وأربابها ولم يتعود رفع الراية البيضاء أمام أرباب الاستبداد ودعاة الاقصاء والاستئصال، وهو مستعد لدفع ضريبة وكشف الحساب..

سيظل الغنوشي يدفع ضريبة ما اقترفته يداه وفكره وسياسته.. وسيظل يدفع ضريبة معارضة استبداد بورقيبة وتفرّده بالحكم.. سيظل يدفع ضريبة استماتته في معارضة بن علي وآلة قمعه وبطشه.. سيظل يدفع ضريبة اعتباره النضال من أجل الإسلام نضالا من أجل الحرية والعدالة والكرامة والتقدّم، وأصّلت للدفاع عن بناء نظام يعترف بالحريّات العامة.. سيظل يدفع ضريبة قيادة تجربة الانتقال الديمقراطي وحماية المسار من التهاوي لــ 10 سنوات.. سيظل يدفع ضريبة إفساده مخطّط القوى الإقليمية المضادة للثورة التونسية..

سيظل يدفع ضريبة إسهامه بطريقة جريئة في صياغة عدد من القيم الإسلامية المهجورة صياغة معاصرة من قبيل قضايا الحريّة والعدالة والشورى والديمقراطية والتداول على السلطة في الحياة السياسية في المجتمع الإسلامي والتونسي.. سيظل يدفع ضريبة أن حزبه يفوز في كل مرة بالديمقراطية..

سيظل يدفع ضريبة تمايز مشروعه الفكري عن بعض المشاريع التي أسّست على استبعاد الآخرين والانفراد بالسلطة، والتي تحوّلت إلى حكم سلطوي قمعي.. سيظل يدفع ضريبة قبوله بالتنازلات لصالح الديمقراطية التونسية الناشئة..

سيظل يدفع ضريبة رفضه الارتكاس عن النهج الديمقراطي في إدارة المرحلة الانتقالية..

سيظل يدفع ضريبة، سحب البساط من تحت الفساد وداعميه والمتاجرين به..

إن الرافضين لحقيقة أن راشد الغنوشي هو اليوم رئيسا للبرلمان هم على الأرجح لم يستوعبوا بعد أنّ ترشح زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي لرئاسة البرلمان هو مؤشر استراتيجي هام على تجاوز علّة وعقدة الديمقراطية التونسية، وهي التسليم لإرادة الناخب والالتزام بها والناخب في تونس ما بعد الثورة..

هؤلاء الذين يرفضون رفضا حديّا وجود راشد الغنوشي على رأس السلطة التشريعية في تونس اليوم، لا يدركون قطعا أن مقبولية الغنوشي بعد مسار سياسي كامل قاده بثبات وذكاء وحكمة طيلة الثماني سنوات الماضية، هي اليوم في أعلى مؤشراتها خارجيا..

ربما لم يستوعبوا أيضا أنّ مجالس بهذه الفسيفساء والتنوع لا يمكن أن تقودها شخصية عادية وبإمكانات عادية، وإنما هي بحاجة إلى شخصية لها قدرة على استيعاب الآخر والمختلف، شخصية أظهرت في أكثر من محطة فارقة ومفصلية نضجا عبقريا في التفاوض وفي الواقعية وفي التعايش مع الأخر، شخصية تدرك يقينا أنّ المسار البنّاء للثورة ليس مسار التفرد بالرأي أو الاستبداد بالمواقف أو فرض الأمر الواقع بل هو مسار الوفاق والتوافق والتعايش بين جميع العائلات السياسية والفكرية مهما علت وتيرة اختلافهم وتباينت آراءهم.

هذه المجالس المتنوعة في الآراء والمواقف حدّ التباين بحاجة إلى شخصية تفكّر بمنطق السلطة والمعارضة في آن معا ولا تجلس على الربوة في انتظار وقوع السقف على الجميع، شخصية قادرة على الإنصات للآخر والتنازل من دون عقد ولا حسابات مسبقة ومن دون عقد من أجل المصلحة الوطنية.. فإذا كان لديهم شخصية بهذه المواصفات فليعرضوها علينا، في الأخير الغنوشي هو رجل معارك النفس الطويل فليباروه في ذلك إن استطاعوا...

 

تم قرائتها 15 مرة

استطلاعات الرأي

هل سيساهم التقارب التركي الروسي في حل الأزمة السورية؟
  • نعم
    3
  • لا
    6
  • إلى حد ما
    3
Only logged in users can vote

محتوى

من الموجود الأن؟

لديك ١ زائر و 0 مستخدم أونلين الأن‫.‬