تسجيل الدخول

الرئيسية مقالات فلسفة الأموال في الإسلام

فلسفة الأموال في الإسلام

print
email
فلسفة الأموال في الإسلام

بقلم: د. محمد عمارة

للإسلام في الأموال والثروات فلسفة فريدة ومتميزة .. فالملكية الحقيقية في الأموال هي لله .. والناس كل الناس مستخلفون فيها لهم ملكية مجازية اجتماعية ملكية الوكلاء والنواب المحكومة ببنود عقد وعهد الاستخلاف – أي شريعة الإسلام – ولذلك وقفت فلسفة الإسلام في الأموال والثروات موقفا وسطا بين الليبرالية المتوحشة التي تطلق العنان لحرية التملك والتصرف في الأموال .. وبين الشمولية التي تقهر فطرة الإنسان في الحيازة والاستثمار.

ولقد تحدث الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت (1310 – 1383هـ/ 1893 – 1963م) عن ثمرات هذه الفلسفة المالية فقال: “ففائدة المال يجب أن تعم المجتمع كله لتقضي به حاجته .. ولقد أضاف الله سبحانه وتعالى المال تارة إلى نفسه تنويها بشأنه وجعل المالكين له مستخلفين في حفظه وتنميته وإنفاقه بما رسم لهم في ذلك (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) الحديد (7)، (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) (النور 33) .. أضافه أخرى إلى الجماعة وجعله كله بتلك الإضافة ملكا لها (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (البقرة 188)، (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) (النساء 5) .. وأرشد بذلك إلى أن الاعتداء عليها أو التصرف السيئ فيها هو اعتداء أو تصرف سيئ واقع على الجميع.
وإذا كان المال مال الله، وكان الناس جميعا عباد الله، وكانت الحياة التي يعملون فيها ويعمرونها بمال الله، هي لله، كان من الضروري أن يكون المال – وإن ربط باسم شخص معين – لجميع عباد الله، يحافظ عليه الجميع وينتفع به الجميع، وقد أرشد إلى ذلك قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) (البقرة 29).
ومما رفع دعاة الاشتراكية النابعة من ضمير الإيمان والتي يجعلها الإسلام دينا تقرن -في الدعوة إليه- بالصلاة وشهادة التوحيد، والتي يكون بها كل المال ملكا للأمة، تحفظه اليد المستخلفة فيه وتنميه، ثم تنتفع به كلها .. فهو منها كلها، وهو إليها كلها، وما اليد المعطية واليد الآخذة إلا يدان لشخصية واحدة كلتاهما تعمل لخدمة تلك الشخصية، ولا خادم منها ولا مخدوم، وإنما هما خادمان لشخصية واحدة هي “شخصية المجتمع” الذي لا قوام له ولا بقاء إلا بتكافل هاتين اليدين على خيره وبقائه.
ولعل بهذا يظهر معني “الوسطية” التي حل بها الإسلام المشكلة المالية تلكم المشكلة التي ظل بها العالم في أمسه وحاضره، يتردد بين طرفي الإفراط بالطغيان المالي والتفريط بإلغاء الملكية الفردية، وبذلك تقطعت أواصر الرحم الإنساني وسخر الأغنياء الفقراء وثار الفقراء على الأغنياء ونشبت الحروب المدمرة وأفلست دعاوى المدعين الذين يخدمون أنفسهم في واقع الأمر، ويتظاهرون بخدمة المجتمع الإنساني، وما ربك بغافل عما يفعلون”.
هكذا كتب الشيخ شلتوت عن فلسفة الإسلام المتميزة في الثروات والأموال – فلسفة الاستخلاف- الوسطية التي تجعل الملكية الحقيقية -ملكية الرقبة- في الثروات والأموال لله سبحانه وتعالى، فهو خالقها وواهبها ومودعها في الطبيعة وسخرها للأنام جميعا .. والناس فيها مستخلفون له فيها ملكية اجتماعية، بها يحوزون ويستثمرون ويستمتعون في إطار بنود عقد وعهد الاستخلاف .. التكافل الاجتماعي الذي يجعل الأمة جسدا واحدا، إذا اشتكي منه عضو تداعى له سائر الأعضاء .. والذي يجعل وجود جائع واحد مستوجبا براءة ذمة الله ورسوله من الذين منعوا من هذا الجائع حقه المقرر في الثروات والأموال .. هذا التكافل الذي عبر عنه الشيخ شلتوت عندما صوره في صورة فنية .. فالمال من الأمة وإليها وما اليد المعطية واليد الآخذة إلا يدان لشخصية واحدة كلتاهما لخدمة تلك الشخصية.. شخصية المجتمع

تم قرائتها 886 مرة

استطلاعات الرأي

هل سيساهم التقارب التركي الروسي في حل الأزمة السورية؟
  • نعم
    3
  • لا
    6
  • إلى حد ما
    3
Only logged in users can vote

محتوى

من الموجود الأن؟

لديك 2 زائر و 0 مستخدم الأن